متهجول كلمة تصف الشخص المغترب الذي يعاني عدم الاستقرار واستمرارية الانتقال من مكان لآخر ومن بلد لآخر دون أن يجد الراحة والأمان.
للوصول إلى أي من المواضيع مباشرة يرجى الضغط على اسم الموضوع الموجود في قائمة "مواضيع المجلة " الموجودة بالأسفل .
************
للوصول إلى باب من أبواب المجلة ، يرجى الضغط على الباب المطلوب في قائمة "أبواب المجلة" الموجودة أسفل الصفحة.

************

لتحميــــــــــــــــل المجلــــــــــــــــــــــة بصيغة بي دي إف PDF اضغط هنا الرابـــــط

الجمعة، 20 فبراير 2009

عائد من أجلك ومن أجل الشمس - بقلم : نبيل العراقي

" الآن تقرع أجراس كل الكنائس معلنة أن مماتي المؤقت انتهى" محمود درويش
كانت الريح الباردة تهز أطراف معطفه المطري الطويل ، وهو يتكئ بكوعيه على الأنبوب المعدني الفاصل بين اليابسة والبحر ، مفكراً بذلك الحنين الذي هبط عليه فجأة منذ أسبوع , لكن الحنين مثل النار قد يخبو لكنه لا ينطفئ !
استدار عائداً إلى غرفته التي يسكنها بعد أن صارت الريح باردة لدرجة مزعجة ، وأخذ ينفث النفس الأخير من سيجارته فخرج زفيره الدافئ مختلطاً بدخان اللفافة مخترقاً الهواء البارد ، فاندفعت كتله من البخار راسمة خطاً أبيض كثيفاً.
مر أمامه رجل أشقر طويل يحمل ابنه مبتسماً , فظلّ يراقبه حتى اختفى في إحدى الشوارع الجانبية ، فشعر برغبة الأبوة الغريزية تدغدغه .. استمر يمشي ببطء حتى دخل إلى غرفته الباردة المظلمة , أدار مفتاح الضوء بتلقائية وانسحب إلى المرآة , تطلع فيها فرأى الشيب وقد طرز جوانب رأسه و تجاعيدَ واضحةً على وجهه تنذره بقرب وداع الشباب . ألقى بجسده المرهق على سريره من دون أن يغير ملابسه , نظر إلى سقف الغرفة واستغرق في ذكرياته , تذكر يومه الأخير قبل سفره , دموع أمه , قبلاتها .. نظرة بنت الجيران التي كانت تحبه بصمت وهي تشيعه بعيون مغرورقة وهو يضع حقائبه في السيارة , نظرته الأخيرة للشوارع والناس .
أشعل سيجارةً وهو يسأل نفسه هل كنت أنانياً حين قررت أن استمتع بالحياة واهجر الوطن؟ هل كنت مجبراً على السفر؟ هل الحياة الممتعة هنا , أفضل من البقاء في المنزل متدفئاً بحنان أمي وإخوتي وأهلي ؟
أجاب عن أسئلته بنفسه: لم يكن هناك شيء يستحقُّ البقاء , كانت بغداد تأكل أبناءها , لمَ أبقى؟ لا شيء هناك لشاب طموح مثلي ! كل الأشياء كانت كالحة فحتى طرقات الباب كنا نخافها.
سعل بعنف وأطفأ سيجارته على عجل وهو يدخل في نوبة من السعال , آه .. صحتي لم تعد على ما يرام مع هذا البرد اللعين (قالها وهو يلوم نفسه على شراهته في التدخين) , عاد مفكراً مع نفسه والحنين يعتصره من أسفل قدميه ماراً بصدره دافعاً حسرة مكتومة بين شفتيه .
كانت السماء تمطر بغزارة .. والبرد قارص في الخارج , خرج من فراشه ونظر من خلال شباك غرفته ، تأمل المطر والناس الذين يختبؤون تحت مظلاتهم ، وأولئك الذين يمشون على عجل ، والشوارع تعكس الأضواء الكبيرة لإعلانات الشركات العملاقة .
غير ملابسه ودفن نفسه تحت غطائه الوثير ، نام نوماَ قلقاً وحلم كثيراً , حلم بالشمس في بغداد تدفئ عظامه .. حلم بأمه التي تنتظره ليعود من المدرسة كي تضع له الغداء اللذيذ ، ورأى والده الحنون وهو يشرب الشاي عصراً ، سمع أصوات الأطفال تنتشر في الهواء مثل العطور الشعبية في الأسواق, ورأى وجوه أصدقاء لم يكلمهم منذ زمن بعيد ، وأخيراً حلم ببنت الجيران التي سمع بأنها لم توفق في زواجها فعاد يفكر فيها.
استيقظ وهو يشعر بالحنين يخنقه مرة أخرى , أراد أن يرضي هذا الحنين الذي هاجمه بلا سابق إنذار، الحنين الذي كان يظن أنه قد استطاع أن ينتصر عليه منذ زمن طويل .
التقط سمّاعة الهاتف كي يرضي هذه الرغبة أو يطفئها قليلاً , أراد أن يسمع صوت أمه العجوز , استرق السمع لرنات الهاتف على الجهة الأخرى , جاء الرد سريعاً من صوت أخيه الأصغر الذي صار عنده ثلاثة أولاد وبنت , سلم عليه بحرارته المعهودة , سأله عن بغداد وهل صارت أحسن مثلما تقول الأخبار؟ تحدث بعدها إلى والدته التي كان صوتها بعد كل هذه الأعوام متغضناً كما وجهها ، لكنه مازال دافئاً وعميقاً, فشعر وكأن ريحاً دافئة تخرج من السماعة وتتحول إلى يدين حنونتين تمسدان شعره وتمسحان ذراعيه.
آه .. لقد عاد طفلاً في المدرسة وأمه تمشط شعره قبل أن يدخل درسه الأول ، و تضمه إلى صدرها , شعر أن صوت أمه صار وسادة هوائية من حنان رفعته من السرير وجعلت غرفته الباردة تشع بالدفء , تمر الأيام أمامه وهو يكبر .. وأمه تكبر بصمت كله ألم على الأعزاء الذين أكلتهم الحرب الطويلة , تحسس عنقه حيث قبلتها المبللة بالدموع وهي تشمه وكأنها تقبله للمرة الأخيرة , نزلت دموعه حارة وغزيرة , هرب منها مودعاً صوتها المرتجف على عجل وبكى كثيراً , بكى وكأنه كان يختزن الدموع لهذا اليوم .. فكرة العودة دخلت إلى رأسه بسرعة مثل الرصاصة .. هل أعود؟ هل اترك كل الجمال والطمأنينة هنا؟ هل سأتكيف على ذلك الفارق ؟ سأل نفسه عشرات الأسئلة ولكنه لم يفكر طويلاً ..
خلال أسبوع أنهى كل شيء هناك , وسلّم مفتاح غرفته لصاحبة المنزل وهي تسأله هل صحيح انك سترجع؟ أجابها وهو يبتسم : لقد عشت أياماً سعيدة هنا ، وحان الوقت كي أعود إلى هناك .. حيث الشمس و.. دفء أمي .

1 التعليقات:

ريان 7 مارس 2009 10:05 ص  

الله على الكلمات التي تزيد حرقان شوقي الى امي الحبيبيه
عسى الله ان يفرجها على العراقين وجميع المسلمين ونعود الى ديارانا بعيدا عن الغربه

مواضيــــع المجلـــــة

متهجولون في الغربة

مجلة متنوعة حرة ، أنشأها مجموعة من الشباب العراقي المغترب ، نتمنى أن نفيد بها المجتمع ، ونسهم في بناء الأجيال القادمة ..

حتى تكون لنا بصمة في الدنيا ، لا نريد بها غير رضا الله عز وجل ، وكي يكون في أعمالنا خير نلقى به الله سبحانه وتعالى يوم القيامة ..


رئيس التحرير:
أبو الحسن

المحررون:
زهرة الراوي
سارة الراوي
محمود الراوي
نبيل العراقي
وفاء صالح

الزوار

  © Free Blogger Templates 'Photoblog II' by Ourblogtemplates.com 2008

Back to TOP